‏‏‏‏موقع اخباري يُقدم لك الخبر لحظة بلحظة يعمل على مدار الـ24 ساعة، بغرض تقديم خدمة صحفية محترفة عبر شبكة الانترنت

الدعاية.. مفهوم مراوغ عصي على التعريف

0 62

وزير الدعاية في عهد هتلر وألمانيا النازية

يتخذ البحث في أسلوب وجود الدعاية مظهرين، يتصل كلاهما بالمسائل الرئيسية المتعلقة بطبيعة الأدب، يمكننا في المقام الأول أن نستفسر عن الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية التي تُنْتج فيها الدعاية.

متى تظهر ولماذا ؟ مصلحة من تخدم ؟ كيف” تُستهلك “؟  ومن يستهلكها ؟ ويمكن أيضا الاستقصاء  عن المظاهر الشكلية للدعاية  في محاولة لتوصيف الطريقة التي تشتغل فيها كمنظومة أو كمجموعة من المنظومات، مع السعي في الوقت ذاته إلى تمييزها عن الأشكال الأخرى لوسائل الاتصال.
لقد تم طرح التساؤلات ذاتها  بشأن الأدب، ورغم عدم وجود إجابات نظرية مقنعة، فقد يسر طرح الأسئلة هذه اتفاق اجتماعي عام يقول أن كتابة وقراءة جسد معين من النصوص، تؤسس  لظاهرة “الأدب”. 

إن الدعاية وكما رأينا ، مفهوم مراوغ  ويصعب تعريفه .  يعود ذلك في جانب منه إلى أن إدراكها أو إدراكها المفترض هو في الغالب وظيفة من وجهة النظر التاريخية النسبية لراصد الدعاية.
 وبسبب  هذه المراوغة،  فقد اقتصر العديد من المتفحصين للدعاية  على دراسة حالات متطرفة كالحرب ، حيث من السهولة بمكان نسبياً  تحديد التواصل الذي كان يهدف إما إلى إضعاف العدو أو تقوية  قرار الصديق.
و يعتبر كتاب مايكل بالفور Michael Balfour  (الدعاية في زمن الحرب 1939-1945 ) من أكثر  الدراسات تبصرا. يعود ذلك في الأساس  إلى أن توصيفه  لمنظمات وسياسات الدعاية في زمن الحرب يميز وبدقة، بين الطريقة التي أُعدت فيها المعلومات للاستهلاك المحلي  وبين الطريقة التي بُثت فيها هذه المعلومات من قبل الجانبين البريطاني والألماني.
ويميز بالفور خمس  مقولات  للدعاية :
–    التصريحات الكاذبة التي تتشكل في القناعة الأصلية على أنها حقيقية.
–    الأكاذيب الملفقة.
–     الإيحاء بالكذب   
–    قمع الحقيقة                  
–     تحريف الأنباء
وتتضمن المقولات سالفة الذكر المشاركة الفعالة من الدعائي _ إذ حتى المقولة الأولى تنطوي على فبركة تزييف مقصودة، تترافق مع النية لبث الدعاية دون شبهة عبر قناة رسمية أو قناة لها حضورها.  لا يجب على  “الدعائي” و “الكاتب” أن يتماثلان في المناسبات كلها،  ذلك أنه وكما أشار ريتشارد تايلور Richard Taylorفي دراسته حول دعاية الفيلم النازي والسوفيتي ، بأن إحدى مهمات الدعائي هي خلق سياقات جديدة من المعاني لرسائل مألوفة  وذلك ” بتفعيل الإمكانية الدعائية.

 فمثلا، أصدر الجيش البريطاني خلال  الحرب العالمية الأولى ، سلسلة من الصحف كانت تُدس في ظرف لترُسل بعدها إلى الجبهة . احتوت هذه المنشورات على قصائد وطنية ومقطوعات نثرية،  بعض منها كان يُكتب عند الطلب ، وما تبقى  كان يؤخذ مباشرة من ووردزورث WordsworthوشكسبيرShakespeare وغيرهم.
 
وفي الواقع تكمن الصفة المحددة للدعاية بالنسبة لتايلورTaylor في وجود الدعائي ؛ فإذا لم نتمكن من إقامة الصلة بين الدعائي وبين جمهوره ، فإننا لا نستطيع  أن نتحدث عن “دعاية”.  لكن الإصرار على الحضور القابل للتعيين  للدعائي يمكن أن يكون مضللا،  وذلك عندما يؤكد على أن الانطباع العام عن الدعاية هي: ” عمل بعض الأشرار، مضللي  الشعوب ، المخادعين والحكام الفاشيين الذين يهدفون إلى تسيد الشعوب”.  

و تفترض وجهة النظر هذه أن ” الدعاية تُصنع طواعية ؛ وبأن الإنسان يقرر ( صنع الدعاية ) وأن الحكومة تؤسس وزارة للدعاية وأن الأمور تبدأ من هناك إلى ما لانهاية. وتبعاً لوجهة النظر هذه تكون الجماهير مجرد هدف  وحشود هامدة يستطيع المرء أن يتلاعب بها ، ويستخدمها.”
 
لم تكن وجهة النظر الرائجة هذه هي الوحيدة التي عارضها إلول Ellul  بحزم في كتابه الرائد والشامل: (الدعاية، صياغة مواقف البشر) فهو يرى النزعة التي تساوي بين الدعاية و”الكذب”  هي وعلى الأرجح تعزيز لمصالح الدعاية وذلك بإخفائها لطبيعتها “كمشروع لتحريف دلالة الأحداث” خلف واجهة من “واقعية لا يمكن مهاجمتها” وبهذا المعنى، يمكن القول أن التعليم – بغض النظر عن الاعتقاد المُعلن في تأثيره الذي يطلق عملية الكتابة  القراء –  هو سيرورة ما قبل دعائية يتم تأويل الحقائق عبرها تبعا للرموز التي تعبر عن الأفكار الجمعية لماضي ومستقبل إحدى الجماعات. 

المصدر : سكاى عربية

اترك رد

close